مكتبة شمس
صدى زيلوزياقصة قصيرة · خيال
إغلاق

رر

​ ​صدى زيلـوزياقصة قصيرة

سليم شمس

2026

حقوق النشر © 2026 سليم شمس

جميع الحقوق محفوظة.

لا يجوز إعادة نشر أي جزء من هذا العمل، أو نسخه، أو تخزينه في نظام لاسترجاع المعلومات، أو نقله بأي شكل أو وسيلة، إلكترونية، أو ميكانيكية، أو بالتصوير، أو التسجيل أو غير ذلك، دون إذن مسبق من المؤلف، خطي أو إلكتروني، باستثناء الاقتباسات القصيرة المستخدمة في المراجعات النقدية والمقالات، مع الإشارة إلى اسم المؤلف وعنوان العمل، وفي الحدود التي يجيزها القانون.

تنويه

هذه القصة عمل أدبي تخييلي. شخصياتها وأحداثها وأماكنها المتخيّلة من نسج خيال الكاتب، وأي تشابه مع أشخاص حقيقيين، أحياء أو أمواتًا، أو وقائع فعلية، هو محض مصادفة وغير مقصود.

بيانات الإصدار

أنفاس الجدار

قصة قصيرة

تأليف: سليم شمس

سنة الإصدار:

2026رقم القصة:K001

SaleemShams.com

مقدمة

تفتح "صدى زيلوزيا" باب السرد في اللحظة التي تتكسر فيها الحدود المصطنعة بين علم الأحياء والمعادن الصلبة، حين يقود الجشع الأعمى عالمًا إلى قبو معزول في قرية جبلية منسية، محاولًا تحويل مصل نيزكي مسروق إلى تجارة قاتلة. تتناول القصة صراع الإنسان مع كوارثه المصنوعة بيديه؛ فالتجارب التي تتحدى ناموس الطبيعة لا تموت بهدوء في الأقفاص، بل تعود بصلابة الفولاذ وحرارة الجمر لتلتهم مبتكرها قبل أن تحرق ما حوله.

صدى زيلوزيا

كان الزجاج المكسور تحت حذاء فاليريان يصدر صريرًا جافًا يشبه سحق العظام المجففة. مسح العرق المتجمع عند طرف أنفه بظهر كمه الملطخ بالبارافين، ثم مال بمصباح الجيب نحو الزاوية السفلى من الجدار الحجري؛ الفجوة التي تفصل القبو عن مجرى التهوية الخارجي كانت خالية، وتكشف عن ممر مظلم تعلو حوافه طبقة رمادية باهتة لا تشبه الطين ولا الصدأ.

لم تكن التجربة مخطئة في حسابات التركيز، بل في طبيعة الغاية. المصل الذي هرّبه من محطة الأبحاث القطبية في "نيكسوروبيا" داخل حافظة معدنية مبردة، لم يكن سائلًا عضويًا عاديًا؛ كان خليطًا صخريًا مائعًا يذيب الحد الفاصل بين الدم والمعادن الخام. أضاف إليه مستخلص العقارب الصحراوية في مسعى لصنع مركب صلب قابل للتدخين أو الحقن لصالح وسطاء شبكة "ترايدنت"، مادة تسلب الإرادة وتكلف ثروة. لكن العقارب المحقونة في الأقفاص لم تمت حين تجمد سمها؛ بل تبدلت مفاصلها، وتكلس درعها الكيتيني حتى أضحى صفيحة قاتمة ترد شفرة المشرط، ثم التهمت الفولاذ وخرجت.

أطلق عليها في مذكراته اسم "الأوكراسواس"، تيمنًا بلون المغرة الصدئة، ولأن حركتها على الأرضية كانت تحدث رنينًا معدنيًا ثقيلًا يسبق ظهورها.

حين دُفع باب القبو العلوي فجأة، التفت فاليريان وهو يمسك بمقبض قاذف اللهب اليدوي، لكن الواقفين على الدرج كانا وجهين يعرفهما من تقارير قديمة في الشمال: سام، وهو يمسك مسدس صيد قصير الفوهة وقد غطى وجهه بوشاح صوفي رطب، وهاندا، التي كانت تحمل حقيبة عينات ميدانية معلقة على كتفها وتنظر إلى أنابيب التقطير المتكسرة بنظرة خبيرة تعرف تمامًا ما تراه.

قالت هاندا وهي تنزل الدرجتين الأخيرتين بحذر:

"القرية تحترق من أطرافها يا دكتور. وحين يلقي الرعاة الحطب المشتعل عليها لتخويفها، لا تهرب؛ بل تمتص الجمر وتتسارع."

رد فاليريان بصوت مبحوح، واضعًا كفه الحرة على طاولة القياس:

"النار ترفع حرارة الغلاف المعدني، فتنشط الدورة المصلية في مفاصلها. استخدام اللهب حماقة ستدفع البلدة كلها ثمنها الليلة."

قال سام، وعيناه لا تفارقان أيدي فاليريان المرتعشة:

"لسنا هنا لمحاكمتك على سرقة مختبرات القطب، ولا على العقود التي وقعتها مع تجار الموانئ. نريد الطريقة التي تمزق هذا الدرع، الآن."

أشار فاليريان برأسه نحو قارورة صغيرة ذات عنق دقيق، محاطة بأسلاك تبريد موصولة ببطارية سيارة شبه فارغة:

"كنت أجهّز المذيب الحمضي قبل أن تنكسر الحاضنة. لكن السلسلة الجزيئية للمصل X لا تنحل إلا بوجود خام الكبريتيك المتبلور، وهو المحلول الوحيد الذي تركته في ثلاجات نيكسوريا قبل الهرب. ما تملكونه هنا مجرد ماء مقطر مقارنة بما تحتاجه تلك الوحوش لتتآكل."

تبادلت هاندا النظرات مع سام. لم يكن ثمة وقت لقطع آلاف الأميال شمالًا وسط الثلوج؛ الكارثة تدور الآن في الأزقة الموحلة فوق رؤوسهم، والخيول في الإسطبل المجاور كانت تصهل بجنون قبل أن يسكت صوتها ضربة واحدة مفاجئة، تلتها قرقعة أطراف مدببة تنغرز في الخشب.

فتحت هاندا حقيبتها دون أن تنبس بكلمة، وأخرجت علبة معدنية أسطوانية محكمة الإغلاق بالشمع الأحمر، وضعتها على الطاولة بين القوارير المحطمة.

حدّق فاليريان في الختم المطبوع على الشمع، واتسعت عيناه:

"أنتِ... لم تأتي خلفي بسبب الصحافة يا سام."

قالت هاندا بهدوء وهي تكسر الختم بطرف سكين صغير:

"أنا من أعد تقرير الأمان الحيوي في نيكسوريا حين اختفيت أنت والقنينة. كنت أعرف أين تتجه، وما الذي تحتاجه دائمًا لإصلاح ما تفسده. خذ الكبريتيك، واخلطه بالحمض قبل أن تهبط علينا من السقف."

لم يستغرق التحضير أكثر من ثلاث دقائق، تخللها صوت تحطم دعامات الخشب فوق السقف الترابي للقبو. كان السائل القرمزي في القارورة يفور ويتحول إلى لون رمادي حليبي يطلق دخانًا خفيفًا يلسع الأعين. صب فاليريان المزيج في أربع مضخات نحاسية صغيرة كانت مخصصة للرش الزراعي، وسلم اثنتين لسام وهاندا، واحتفظ بواحدة لنفسه، تاركًا الرابعة على الرف.

صعد الثلاثة الدرج بحذر. في الفناء الخارجي، كان الظلام يبتلع الجبل، باستثناء بقع متفرقة تشتعل فيها أكوام القش؛ لكن النيران لم تكن تطرد الظلمة، بل كانت تكشف عن ثلاثة أشكال ضخمة، يبلغ طول الواحد منها ذراعين ونصف، بأطراف أمامية ثقيلة تنتهي بملاقط عريضة تبدو كأنها حُدّدت من حديد خام مبرود. كانت ظهورها تتوهج بحمرة خافتة كلما اقتربت من ألسنة اللهب، وتتحرك بسرعة لا تتناسب مع مظهرها الصلب.

انقض أولها نحو سام، فقفز جانبًا خلف جدار الحظيرة وسحب زناد المضخة؛ رشقة السائل الرمادي أصابت المفصل الأيمن للوحش، فانطلقت منه فرقعة حادة كفرقعة الزيت المغلي فوق الجمر. ترنح الكائن، وتصلبت ساقه فورًا قبل أن تتفتت إلى مسحوق كلسي أسود، فسقط على جانبه يضرب الأرض بذيله المعدني دون اتزان.

صرخ فاليريان وهو يتقدم نحو الثاني الذي كان يقترب من مدخل البيت:

"الرأس! يجب أن يلامس المذيب الغشاء خلف العينين!"

لكن الوحش الثالث خرج من ظل سقيفة الخشب دون صوت، مندفعًا بكتلته الصدئة نحو فاليريان. حاول العالم توجيه الفوهة، إلا أن طرف الذيل المصفح ضرب كتفه بقوة أطاحت بالمضخة النحاسية بعيدًا في بركة الوحل، وألقت به على ظهره قرب الباب. استدار الوحش فوقه، وارتفعت شوكته الخلفية التي تقطر سائلًا كثيفًا متحجر الحواف.

لم يتردد سام؛ قفز نحو البركة والتقط المضخة المرمية في الوحل، وركض نحو الكائن مفرغًا ما تبقى في أسطوانته مباشرة داخل التجويف الصدري المتوهج للوحش. تصاعد فحيح مرير، وتفككت الصفائح الحامية كما تتفكك صفائح الصدأ تحت المطرقة، فهوى الكائن فوق فاليريان وسحقه بوزنه الميت.

حين سحبت هاندا الجثة الحديدية بمساعدة سام، كان فاليريان يلتقط أنفاسه بصعوبة، وقد انغرز جزء من درع الوحش المكسور في فخذه، مفرزًا خطوطًا رمادية بدأت تنتشر تحت جلده بسرعة نحو ركبته.

نظر فاليريان إلى ساقه، ثم إلى القارورة الرابعة التي سقطت من جيب معطفه وتهشمت على حجارة المدخل، ممتزجة بالتراب المبلل.

قال بصوت واهن، وعيناه معلقتان باللون الرمادي الذي يزحف في لحمه:

"المذيب... انتهى."

وقفت هاندا أمامه، ووضعت يدها على كتف سام الذي كان يحاول الضغط على الجرح لوقف النزيف. نظرت إلى الساق المتصلبة التي أخذت تفقد دفأها البشري وتتحول إلى ملمس الحجر المصقول، ثم رفعت عينيها نحو الطريق الجبلي الصاعد شمالًا، حيث كانت القرية هادئة أخيرًا، ولا يُسمع فيها سوى هبوب الرياح الجافة بين الصخور.

تـــمــت

خاتمة

لم تكن هزيمة كائنات "الأوكراسواس" انتصارًا بالمعنى الكامل، بل كانت إطفاءً لحريق ترك خلفه أثرًا لا يمحى. تتجلى النهاية الحتمية في مفارقة جارحة: المبتكر يتحول تدريجيًا إلى المادة الصلبة القاسية ذاتها التي حاول استغلالها للثراء، تاركًا الهدوء البارد يعود إلى سفوح الجبال، ومذكرًا بأن العبث بقوانين الطبيعة يفرض في النهاية ثمناً يدفع المرء قيمته من لحمه ودمه.

سليم شمس

معلّم معلوماتية، وكاتب قصصي ومسرحي، يعمل في التسويق الرقمي والتصميم الجرافيكي وتطوير المواقع.

تتنوع كتاباته بين الرعب النفسي والخيال والقصص الإنسانية، ويهتم بصراعات الإنسان الداخلية، وبما تتركه الخسارة والذاكرة والعلاقات في حياته. وتمتد تجربته الأدبية إلى كتابة النصوص المسرحية، حيث تتخذ الحكاية شكلًا آخر عبر الحوار والمشهد.

يجمع في عمله بين التعليم والأدب والتقنية، ويطوّر مشاريع رقمية وإبداعية تدعم التعلّم والكتابة وتبادل المعرفة. ويمنحه اهتمامه بالتصميم وسيلة إضافية لتحويل أفكاره إلى تجارب مقروءة ومرئية وتفاعلية.

يرى في الكتابة مساحة للتأمل وطرح الأسئلة، ويحرص على أن يترك للقارئ مجالًا ليجد في الحكاية ما يلامس تجربته الخاصة.

لمتابعة أعماله ومشاريعه:SaleemShams.com

للتواصل:0097451032192